الشيخ محمد هادي معرفة

34

تلخيص التمهيد

تعالى : « لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ . . . » « 1 » . فقد رأى النبي صلى الله عليه وآله ذلك عام الحديبيَّة « 2 » وصدقت عام الفتح « 3 » . وكما في قوله : « وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ » « 4 » . فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن سعيد بن المسيّب ، قال : رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بني اميَّة على المنابر ، فساءه ذلك ، فأوحى اللَّه إليه : إنَّما هي دنيا أعطوها وهي قوله تعالى : « وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا . . . » يعني بلاءً للناس « 5 » . هذا ، وقد ذكر بعضهم أنَّ سورة الكوثر نزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في المنام ، لرواية أنس بن مالك ، قال : بينا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بين أظهرنا إذ اغفي إغفاءة ، ثمَّ رفع رأسه متبسّماً ، فقلنا : ما أضحكك يا رسول اللَّه ! ؟ فقال : أنزلت عليَّ آنفاً سورة ، فقرأ : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ . . . » إلخ « 6 » . قال الرافعي : إنَّهم فهموا من ذلك أنَّ السورة نزلت في تلك الإغفاءة ، لكنَّ الأشبه أنَّه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة عليه قبل ذلك ، فقرأها عليهم وفسَّرها لهم . قال : وقد يحمل ذلك على الحالة الَّتي كانت تعتريه عند نزول الوحي ، ويقال لها : برحاء الوحي وهي سبتة شبه النعاس كانت تعرضه من ثقل الوحي . قال جلال الدين : الّذي قاله الرافعي في غاية الاتّجاه ، والتأويل الأخير أصحّ من الأوَّل ، لأنَّ قوله « آنفاً » يدفع كونها نزلت قبل ذلك ، بل نزلت في تلك الحالة ، ولم يكن الإغفاء إغفاء نوم ، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي « 7 » وآنف بمعنى قُبيل هذا الوقت . أقول : لا شكَّ أنَّ سورة الكوثر مكّية ، وهذا هو المشهور بين المفسِّرين شهرةً تكاد تبلغ

--> ( 1 ) الفتح : 27 . ( 2 ) وهي سنة الست من الهجرة . ( 3 ) وهي سنة الثمان . ( 4 ) الإسراء : 60 . ( 5 ) الدرّ المنثور للسيوطي : ج 4 ص 191 ، تفسير الطبري ج 15 ص 77 . ( 6 ) الدرّ المنثور : ج 6 ص 401 . ( 7 ) الإتقان : ج 1 ص 23 .